هل الوظيفة العائق الوحيد بينك وبين حياة الأحلام؟
في فترة من حياتي، اشتغلت موظفة استقبال في مكان هادئ لا يأتيه الكثير من الزوار. ثماني ساعات يوميًا في مكتب الاستقبال. أحيانًا تمر أربع ساعات متواصلة دون أن يأتي أحد. لم أكن في غرفتي أستطيع أن أنام متى أشاء، أو أتسلى بأي شيء. كنت مجبرة على الجلوس هناك.
كان ذلك الوقت — الذي بدا وكأنه هدر تام — أكثر وقت تدفقت فيه أفكاري. سرحت لساعات في الجدار. حلمت، تخيلت، ربطت بين عوالم كانت منفصلة في رأسي. الملل الإجباري، والقيد الذي فرضته عليّ الوظيفة، أعطاني شيئًا لم أحصل عليه في كل أوقات فراغي المطلق: مساحة ذهنية واسعة للتفكير.
وقتها كنت أظن، مثل الكثيرين، أن الوظيفة هي العائق الوحيد بيني وبين كل شيء حلمت به. لو أستطيع الاستقالة، لو أتفرغ تمامًا، سأحصل على حياة أحلامي وسأتمكن من «شراء ميسي».
كلنا نرى الشيء نفسه في الوظيفة. دوام متكرر، مهام رتيبة، وقت يضيع على أشياء لا نحبها. ونحلم باليوم الذي نتحرر فيه ونتفرغ تمامًا لشغفنا.
لكن تجارب أعظم المبدعين تقول شيئًا مختلفًا.
الكاتب العربي المفضل لدي، نجيب محفوظ — أول وآخر كاتب عربي يفوز بجائزة نوبل للأدب — لم يترك وظيفته رغم نجاحاته الأدبية. كان يعمل في وظيفة حكومية روتينية، يبدأ في الصباح وينتهي ظهرًا. وعلى عكس المتوقع، يقول محفوظ إن هذا الروتين المكتبي كان سببًا مباشرًا في غزارة إنتاجه.
يقول: «لولا العمل، لما أصبح لدي سبب للنهوض من الفراش صباحًا».
الوظيفة كانت تمنحه هيكلًا لليوم.
روتين واضح يقسّم وقته بين العمل، القراءة، والكتابة. يرتاح قليلًا بعد عودته من وظيفته ثم يبدأ الكتابة لساعات محددة. هذا الالتزام الصارم بوقت ثابت يوميًا هو ما جعل أفكاره تتدفق.
ستيفن كينق — الكاتب المعروف بغزارة إنتاجه المرعبة، والتي لم أقرأ أي منها (لأني قطعت عهدًا على نفسي بعدم استهلاك منتجات الرعب، لأسباب خاصة أتحفظ عن ذكرها 😏)، لكني قرأت كتابه الرائع عن مسيرته في الكتابة — يحكي أنه وصل إلى سن العاشرة وتعلّم القراءة والكتابة قبل أن يدخل التلفزيون بيتهم.
ذلك الملل الطويل، وغياب الخيارات الترفيهية الوفيرة، كان وقودًا وسّع مخيلته.
الفراغ دفعه لابتكار عوالمه الخاصة، وعزز لديه حب الاستكشاف واللعب والمغامرة — وهذه العناصر صارت أساس حكاياته لاحقًا.
لكن كيف يمكن للملل والأعمال الرتيبة المتكررة أن تولّد إبداعًا؟
في دراسة نُشرت عام 2014، أجرى باحثون تجربة بسيطة: طلبوا من مجموعة من الناس القيام بمهمة مملة جدًا — نسخ أرقام من دليل الهاتف لمدة 15 دقيقة. بعد المهمة، اختُبرت قدراتهم الإبداعية.
النتيجة كانت أن الذين شعروا بالملل أنتجوا أفكارًا إبداعية أكثر.
لكن لماذا؟
الملل يجبر العقل على البحث عن تحفيز داخلي. حين لا يجد شيئًا مثيرًا في الخارج، يبدأ بالابتكار من الداخل. قد تأتيك أعظم أفكارك وأنت تكوي الملابس، أو تقطع البصل. يدك مشغولة بفعل آلي بسيط، فيتخفف عقلك من الضجيج، ويبدأ بهدوء في ربط أشياء كانت تبدو متباعدة.
عندما يكون لديك روتين ثابت، تخفّ عليك القرارات الصغيرة التي تستهلك طاقتك الذهنية، لم يعد عليك أن تقرر متى وأين أو كيف تبدأ. فيتبقى لعقلك طاقة أكبر للإبداع.
وربما تكون أهم مهارة يمنحك إياها الملل هي القدرة على الربط. يفتح المساحة لعقلك ليرى الخيوط الخفية التي تربط العوالم المنفصلة — وهي من أهم مهارات المبدع.