العدد الثاني من نشرة الفسحة اللغة كخريطة: الكلمات تكشفنا أكثر مما نتخيل

06 يناير 2026

الفسحة مساحة صغيرة نشارك فيها لمحات من الثقافة، والحياة الاجتماعية، والأفكار الفلسفية، ونصائح نفسية، بطريقة خفيفة وممتعة، تفتح لك فسحة للتفكير وسط يومك. صباح الخير (المشترك)! هالنشرة هي فسحتك للتأمل وسط الأسبوع، تصلك كل ثلاثاء لتمنح يومك لمسة خفيفة ومنعشة.

نشرة الفسحة

ليلى الحربي

اللغة كخريطة: الكلمات تكشفنا أكثر مما نتخيل

لماذا تكشف الكلمات ما نخفيه؟

لو توقفت لحظة واستمعت إلى ما تقوله ستلاحظ أن كلماتك تكشف عنك أشياء لم تكن لتقولها بصراحة، اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، إنما هي نافذة على طريقة تفكيرنا ومشاعرنا وتجاربنا، أحيانًا نعتقد أننا نختار الكلمات بعناية، لكن الحقيقة أن الكلمات تكشف ما نحاول ترتيبه داخلنا قبل أن نفكر فيه، كل جملة نختارها؟ وكل ضمير؟ وكل صياغة، تعكس جزءًا من شخصيتنا؛ فهي تخبر الآخرين عن طريقة إدارتنا لأفكارنا وعواطفنا، حتى قبل أن ندرك نحن أنفسنا ما نقول. الكلمات تستطيع أن تكشف ما تخفيه التصرفات أيضًا، فقد نرى شخص هادئ لكنه يستخدم كلمات قصيرة وحاسمة ويختصر الكلام في كل موقف، عندها نعرف أنه يملك عقلية منظمة ويميل إلى الحسم، وأحيانًا نسمع كلمات شخص مفعم بالتردد والاعتذارات والتهدئة، ونشعر فورًا بحساسيته العالية وخوفه من إيذاء الآخرين أو سوء الفهم، اللغة إذن أكثر صدقًا من التصرف، لأنها تصل دائمًا إلى العمق الداخلي.

كيف تكشف اللغة طريقة تفكيرنا؟

الباحثون النفسيون واللغويون يعتبرون اللغة أداة قوية لتحليل الشخصية، والأنماط اللغوية اليومية مثل تكرار ضمائر معينة أو نوع الأفعال المستخدمة يمكن أن يكشف مستوى وعي الشخص الذاتي، وحالته العاطفية، وحتى استقراره النفسي، وهناك الكثير من الكلمات في حياتنا اليومية الدالة على تفكيرنا:

  • فالأشخاص الذين يستخدمون “أنا” كثيرًا غالبًا يركّزون على مشاعرهم الداخلية، وأحيانًا قد يكون ذلك بدافع وعي ذاتي، وأحيانًا بدافع القلق

  • من يستخدمون جملًا مختصرة وواضحة، مثل “تمام” أو “خلصنا” أو “واضح”، يميلون إلى الحسم السريع والرغبة في إجابات محددة ونهائية

الذين يعتذرون بكثرة أو يضيفون عبارات تهدئة مثل “عفوًا”، “يمكن”، أو “إذا ما عليك أمر”، غالبًا هم يمتلكون حساسية اجتماعية عالية ويحاولون تجنب سوء الفهم

كذلك هناك أمثلة نراها في واقعنا المحلي:

  • كثير من البنات يستخدمون كلمات مثل “أحس” أو “يعني” أو “فهمت”، وهي تعكس غالبًا محاولة للتواصل العاطفي وإظهار المشاركة في الحديث
  • استخدام كلمات مثل “عرفت” أو “صحيح” يدل على رغبة الشخص في التأكيد والتقارب الفكري أثناء المحادثة
  • نرى الشباب أحيانًا يستخدمون كلمات مثل “تمام”، “كويس” أو “خلص” بشكل متكرر، وهذا يشير بالغالب إلى الميل للحسم السريع أو الانتهاء من النقاش بدون الدخول في تفاصيل عاطفية

كيف تؤثر اللغة على طريقة تفكيرنا؟

دراسة Lera Boroditsky من جامعة ستانفورد بيّنت أن اللغة تغيّر الطريقة التي نفكر ونرى بها العالم، على سبيل المثال بعض اللغات لا تستخدم كلمات مثل “يمين” و”يسار”، إنما تعتمد على اتجاهات جغرافية ثابتة مثل الشمال، الجنوب، الشرق، الغرب، المتحدثون بهذه اللغات يصبحون أكثر وعيًا بالمكان والاتجاهات، فهم دائمًا يعرفون موقع الأشياء بالنسبة للمحيط، حتى في حياتهم اليومية.

كذلك نرى بعض اللغات تُؤنّث أو تُذكّر الأشياء حتى غير الحية، ما يؤثر على الطريقة التي يصف بها المتحدث الأشياء أو يتخيلها، ففي الفرنسية كلمة القمر (la lune) مؤنث، وكلمة الشمس (le soleil) مذكّر، وفي الألمانية، كلمة الكتاب (das Buch) مذكر وكلمة النافذة (das Fenster) مذكر بينما كلمة الزجاجة (die Flasche) مؤنث، هذه التفرقة تجعل المتحدثين يميلون إلى تصور الأشياء وفقًا لصيغتها اللغوية، فتتغير الصورة الذهنية والتعبيرات المجازية والمشاعر المرتبطة بها، فالشخص الذي يتحدث الفرنسية قد يصف القمر بصفات ناعمة أو رقيقة نظرًا لجنس الكلمة المؤنث، بينما الشمس توصف بالقوة والثبات.

ماذا تقول الكلمات عنا؟

إذا نظرنا إلى اللغة كخريطة، سنرى أنها تظهر المكان الذي نقف فيه الآن، كل كلمة نستخدمها خطوة، وكل جملة نختارها تعكس جزءًا من شخصيتنا، اللغة تكشف ما لا نجرؤ على قوله، وما لم نكن ندركه عن أنفسنا، والكلمات تكشف أكثر مما نتخيل، ليس فقط لمن حولنا، بل لنا نحن أنفسنا.

يبقى السؤال الحقيقي ليس هل تكشفنا اللغة، إنما إلى أي حد نسمح لها بأن تظهر ما نخفيه؟ وربما أجمل ما فيها أنها تقول الحقيقة بصوت منخفض، هادئ، ولا يمكن تجاهله؟

مقالات مختلفة

العدد الأول من نشرة الفسحة الأرشيف المنسي: كيف لتفاصيل صغيرة أن تصنع ثقافتنا السعودية

06 يناير 2026

ليلى الحربي

نشرة الفسحة

العدد الثالث من نشرة الفسحة هل قراراتنا حرة؟ قراءة في حدود الإرادة

06 يناير 2026

ليلى الحربي

نشرة الفسحة

00:00/00:00