أول سؤال يقفز إلى أذهاننا فور مشاهدة أي عمل إبداعي مبهر: «كيف فكّروا فيها؟»
تعترف الروائية مارقريت آتوود بأنها لا تبدأ كتابة رواياتها وفي رأسها فكرة واضحة. الأمر يبدأ عندها بخيوط متفرقة: شخصية عابرة، صوت يتردد في ذهنها، مشهد مجتزأ تشعر أنه يحمل معنى لا تعرف ما هو بعد. ومع الكتابة — لا قبلها — تتشابك الخيوط وتتولّد القصة تدريجيًّا. فقط حين تكتمل الرواية، تتّضح لها الفكرة.
هذا الاعتراف يُربك، لأنه يناقض اعتقاد نؤمن به جميعًا: أن المبدع يملك «صندوقًا» في رأسه، يفتحه متى شاء ويسحب منه فكرة جاهزة. نتخيّل مثلًا أن آتوود جلست ذات صباح وقالت: «سأكتب رواية عن مجتمع يستعبد النساء»، ثم فتحت حاسوبها وكتبتها دفعة واحدة. لكن الواقع مختلف.
«من أين جئت بهذه الفكرة؟» — المبدعون يعرفون أنه سؤال لا يمكن إجابته، لكنه يتكرر عليهم عند استضافتهم في البرامج التقليدية، لدرجة أنه صار نكتة بينهم. في بودكاست الكوميديان نورم ماكدونالد، كان من أشهر النكت المتكررة أن يوجّه هذا السؤال للضيوف بوجه جاد.
في إحدى الحلقات سألوا الكوميديان سوبر ديف هذا السؤال، فأجاب ببرود: «من رالفز» — وهو سوبرماركت. كان يمزح طبعًا، مثل أن تسأل أحدهم «أين فلان؟» فيقول لك «في جيبي». لكن ربما كانت إجابته أصدق مما تبدو؛ فالأفكار فعلًا يمكن أن تأتيك وأنت تمارس حياتك العادية، تتمشّى في ممرات السوبرماركت وتجمع مكوّنات عشائك في تلك الليلة التي قررت أن تتفرغ فيها لكي ينزل عليك وحي الإبداع ويحضر معه صندوق الأفكار. «ماتبي كنتاكي بعد؟»
السؤال الأفضل: «ما الذي ألهمك لصنع هذا العمل بالذات؟» — سؤال محدد، يفتح بابًا حقيقيًا للحديث. لكن لا أحد يسأله.
المشكلة أن وهم الصندوق لا يكلّفنا الوقت فقط، لكنه يقنعنا بشيء أسوأ: أن المشكلة فينا. أننا ببساطة لا نملك ما يملكه «أولئك المبدعون». بينما الحقيقة أن لا أحد يعرف بالضبط من أين تأتي الأفكار. لكن الشيء الثابت في كل قصة إبداع هو الانغماس. من يغمر نفسه في شيء ما، يقرأ فيه ويشاهد ويجرّب ويفشل ويعيد، تبدأ الأفكار تظهر عنده تلقائيًا — ليس لأنه موهوب أكثر، بل لأنه ممتلئ أكثر.
وهنا يأتينا خوف آخر: حسنًا، سأنغمس وأشتغل، لكن ما الذي يضمن أن أفكاري لن تنفد مع الوقت؟ ما الذي يضمن أن الصندوق لن يفرغ يومًا من الأيام؟ هذا خوف منطقي لو كان الصندوق موجودًا فعلًا. لكن الإبداع لا يعمل بهذه الطريقة. العلاقة طردية: كلما اشتغلت أكثر، كلما جاءتك أفكار أكثر. وإذا توقفت، جفّ كل شيء. ليس لأن الأفكار انتهت، بل لأنك توقفت عن الحركة التي تولّدها.
قد يكون صحيحًا أن بعض المبدعين مرّوا بلحظة إلهام مفاجئة، فكرة كاملة تومض في أذهانهم دفعة واحدة. لكن هذه الومضة لم تنزل على رأس فارغ. نزلت على رأس ممتلئ بسنوات من الانغماس والعمل والتجريب. نحن نعتقد أن الفكرة هي البداية، بينما هي غالبًا آخر خطوة في طريق طويل لم نره.
وهذا بالضبط ما تقوله لنا تجربة آتوود. الفكرة ليست نقطة الانطلاق — هي غالبًا وجهة الوصول.
يقول نيل غيمان: «المرء لا يتعلم كيف يكتب رواية أبدًا، بل يتعلم فقط كيف يكتب الرواية التي يكتبها حاليًا».
هذا الاقتباس يلخّص كل شيء. ليس هناك وصفة سحرية تتعلمها ثم تطبقها على كل مشروع. كل عمل إبداعي هو رحلة منفصلة، تبدأ بخيط واحد وتنسج الباقي في الطريق.
أتمنى لو عرفت تلك المعلومة مبكرًا. كنت أضيع سنوات في انتظار أن ينزل علي الإلهام بدلًا من أن أبدأ.
أوصيكم بـ«ماستركلاس» مارقريت آتوود الذي «ألهمني» لكتابة هذا المقال.