هل كل الناس عندهم ADHD؟
في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ انتشار تعليقات مثل: “أكيد عندي اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)” أو “فلان يعاني من ADHD”. ونسمعها في المدارس والجامعات، وبين الأصدقاء، وكأن التشخيص صار تفسيرًا لكل تشتّت، وتأخر، أو انشغال، أو حتى نسيان.
لكن السؤال الحقيقي: هل كلنا بالفعل نعاني من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، أم أن الكلام أصبح مبسّطًا، والأعراض معمَّمة بشكل عشوائي؟
في هذه النشرة، نسعى إلى فكّ الشيفرة النفسية والثقافية والفكرية للتمييز بين الحالة الطبية الفعلية وبين شعور يومي طبيعي، لأن التشخيص النفسي ليس لعبة كلمات، والهوية النفسية ليست وسيلة تبرير دائمة.
بين الحقيقة والإفراط في التشخيص
ما هو التعريف الحقيقي لاضطراب ADHD؟
هو اضطراب سلوكي عصبي تم تشخيصه علميًا، يتميز بثلاث أبرز أعراض:
- صعوبة في التركيز والانتباه لفترات طويلة
- فرط حركة أو نشاط زائد (أو في بعض الحالات: فرط أفكار، تشتّت ذهني)
- اندفاعية: اتخاذ قرارات دون تفكير كافٍ، ردود سريعة، صعوبة في ضبط النفس
- التشخيص يتطلب معايير دقيقة ليس “نسيان مستمر” أو “قلة صبر” فقط، إنه يحتاج أن تكون الأعراض مستمرة منذ الطفولة، وتظهر في أكثر من سياق (بيت، مدرسة، عمل)، وتؤثر بشكل فعلي على الحياة اليومية والعلاقات والعمل.
لماذا أصبح الجميع يشك أنه يعاني من ADHD؟
- الوعي الزائد: الإعلام والتواصل سلّط الضوء على أعراض ADHD ؛ فصار من الممكن لأي إنسان أن يقرأ الأعراض ويحس إنها تشبهه
- الضغط النفسي والاجتماعي: الدراسة، والعمل، والالتزامات لها دور في الحياة؛ فالتشتّت، والنسيان، والانشغال يصبحون رد فعل طبيعي، بعض الناس يربطون كل تعب ذهني بـ ADHD
- رغبة في تفسير الذات: بعض الناس تحتاج لسبب “ليش دائمًا متوتر؟ وليش ما أقدر أركز؟” التشخيص أصبح فعل تفسير سريع ومريح
- تقليل وصمة المشاكل النفسية؛ فبدل ما نقول ” أنا مرهق نفسيًا ” أصبحنا نشخص أنفسنا من باب المزاح بقول” أنا عندي ADHD” لتخفيف الحمل الاجتماعي، كأن التشخيص يمنح قبولًا
لماذا هذا التعميم خطر؟
نحن بتشخيص أنفسنا نقلل قيمة المعاناة الحقيقية؛ فيفقد الأشخاص المصابين بالفعل فرص التشخيص والدعم الجاد إذا صار الكل “يعاني من ADHD” يصبح من الصعب التمييز بين حالات حقيقية وحالات “عادية” وبالتالي يقل الاهتمام والعلاج الجاد لمن بحاجة له فعليًا، فالتشخيص الحقيقي يحتاج إلى مختص، وتقييم شامل، وإحاطة لظروف الكلام أي لا نُسرع بقولنا “أنا أحس كذا” يمكن عندي ADHD” ليس تشخيصًا، إنه احتمال يجدر التعامل معه بحذر؛ فمن العقلانية ومن أخلاق المعرفة، أن نلجأ لمختص نفسي أو طبي، لأن التشخيص الدقيق يمنحك أدوات دعم لتتعالج، ليس مجرد مصطلح.
المواجهة الحقيقة مع ذواتنا
مشكلتنا ليست مع المعرفة أو التشخيص، مشكلتنا دائمًا مع التعميم والإفراط في التبسيط، ADHD اضطراب حقيقي لمن استوفى معاييره بدقة، لكن ليس كل إنسان مشتت أو سريع التفكير مريض نفسي، قد تكون إنسان يعيش تحت الضغط أو الجهد والمسؤوليات الكبيرة، فالأخلاق تدعونا أن لا نرمي كلمات طبية كتعويض عن الإرهاق أو التوتر العابر، وأن لا نعتمد التشخيص كهوية جاهزة، أن نحترم المعرفة قبل أن ننشرها، ونحترم أنفسنا والآخرين، إذا شككت، كُن حقيقي مع نفسك واسألها:
هل الأعراض مؤثرة بشكلٍ دائم؟ وهل جربت تقاوم ثم بقيت الأمور صعبة؟
إذا كان الجواب نعم، فاستشر مختص، وإن كان لا، فلا داعي للألقاب.
المعرفة حق، واحتوائها بحق ومصداقية؟ مسؤولية أكبر.
كتاب هذا العدد: «عقول مشتتة» – د.جابور ماتيه
يستكشف الطبيب والكاتب جابور ماتيه اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، متناولًا تأثيره في الأطفال والبالغين، وكيف يمكن أن ينعكس على التعلم والعمل والعلاقات. ويجمع الكتاب بين الخبرة السريرية والقصص الواقعية ليفتح بابًا أوسع لفهم الاضطراب وما يحيط به من تصورات شائعة.
لماذا ننصح به؟
لأنه يدعو إلى النظر بعمق في اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ويميز بين التجربة اليومية للتشتت وبين الاضطراب الذي يتطلب تقييمًا متخصصًا. يقدّم منظورًا يثري النقاش ويشجع على التعامل مع الموضوع بوعي بعيدًا عن التشخيص الذاتي.
خاتمة النشرة
في فسحتنا الأسبوعية، نترك لكم دائمًا متسع للتأمل.. على أمل أن تحمل التفاصيل الصغيرة معنىً أكبر مما نظن، نراكم في الفسحة القادمة 🍃