رحلت بالأمس الفنانة القديرة حياة الفهد، تاركة خلفها إرثًا فنيًّا استثنائيًّا، ومفارقة غريبة تستحق التفكر. حين عُرض على أم سوزان نص مسلسل خالتي قماشة لأول مرة، رفضت الدور تمامًا. كانت ترى في فكرة زرع الكاميرات داخل غرف نوم الأبناء لمراقبتهم انتهاكًا خياليًّا يستحيل حدوثه، ويفتقر لأي صلة بالواقع. وقبلت أداء هذه الشخصية الأيقونية أخيرًا بعد الحاح شديد من زملائها.
اليوم، نقف أمام تحول ثقافي مدهش، يجعل من ذلك الخيال الدرامي مجرد تفصيل بسيط في واقعنا. في ثقافتنا التي ربطت المنازل بالستر، وحفظت حرمة البيت خلف أبواب مغلقة، تبدل المشهد تمامًا. أُشرعت أبواب البيوت طواعية، وأدخلت الزوجات المتابعين إلى أعمق زوايا البيت، وتحولت يوميات الأسرة إلى مادة عرض مستمرة. صار الجمهور يمارس دور خالتي قماشة الرقمية بكل أريحية.
في قلب هذا التحول، تصدرت المرأة الواجهة. وبرزت ظاهرة الأم صانعة المحتوى كبطلة لتلك اليوميات. تجاوزت الكاميرا دورها القديم كأداة لتوثيق المناسبات في ألبومات مغلقة، وتحولت إلى نافذة تطل على العالم لتشاركه تفاصيل الأسرة. للوهلة الأولى، قد يبدو سهلًا حصر الدافع وراء هذا الانكشاف في حب الظهور أو الكسب المادي. غير أن القراءة المتأنية تخبرنا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى «البحث عن المعنى».
فالتربية بطبيعتها عملية صامتة ومجهدة، تبذل فيها الأم جهدًا يوميًّا يندر الالتفات إليه في وقته. وأمام غياب التقدير الفوري، جاءت المنصات لتمنحها صوتًا وقيمة، وتحولها من شخص يؤدي مهام شاقة خلف الجدران، إلى مؤثرة يحوطها مجتمع يساندها.
هذا البحث عن مجتمع يساند، أحدث تغييرًا جذريًّا؛ إذ نقل الأم من روتين ربة المنزل إلى نفوذ رائدة الأعمال. ولعل المثير هنا، تفوق هؤلاء الأمهات في قدرتهن على الإقناع وتحقيق المبيعات. والسر ببساطة يكمن في عملة الثقة. فالمتابِعة تبحث عن امرأة تشبهها بعيدًا عن الحياة المُفلترة؛ أم تكافح لشرب قهوتها، وتعيش بين أكوام الغسيل وفوضى المطبخ وتحديات التربية. هذا الشعور الصادق بالقرب، يجعل التوصية تبدو كنصيحة مجربة من صديقة، وليس إعلانًا مدفوعًا.
مع هذا النفوذ المتصاعد، ظهرت حالة من إسقاط الكلفة المطلق. وبقدر ما تخلقه هذه الحالة من ألفة، فهي تحمل تحديات يصعب تجاهلها. فالناس بطبيعتهم يشاركون آراءهم، وهذا التدخل المستمر يحيل المساحة الداعمة إلى محكمة يومية تضطر فيها الأم لتبرير عفويتها، فيفقد البيت صفته الأساسية كملاذ آمن. وما يزيد الأمر تعقيدًا، فقدان السيطرة التامة على ما يُنشر، في ظل تطور الذكاء الاصطناعي وزيادة مقلقة في معالجة الصور العادية وإساءة استخدامها عبر التزييف العميق.
هذا الخطر يمس دائمًا الحلقة الأضعف: الأطفال. فنشر خصوصياتهم، وتوثيق مراحل نموهم بحسن نية، يعرضهم للاستغلال الرقمي، ويمتد أثره ليصبح مادة للتنمر عليهم في ساحات المدارس. وهنا تبرز «مفارقة الموافقة»؛ هل تملك الأم حقًّا تحويل طفولة أبنائها إلى مادة خام لخوارزميات المنصات دون إدراكهم أو موافقتهم الواعية؟
في إحدى لقاءاتها القديمة، تتذكر الراحلة حياة الفهد كيف أحدث مسلسل خالتي قماشة قبل نحو أربعين عامًا صدمة حقيقية، وموجة استنكار واسعة عند عرضه. مجرد طرح فكرة اختراق الكاميرات لغرف النوم والمساحات الحميمة، كان أمرًا مستهجنًا. في مجتمع يرى في الستر قيمة عليا، كانت تلك الفكرة التلفزيونية أقرب إلى الكوميديا العبثية؛ كوميديا تعتمد على المبالغة، وتنتزع ضحكات الجمهور من فرط الصدمة، لأن الفكرة ببساطة تبدو خيالية ويستحيل حدوثها.
القراءة المتأملة لمشهد المنصات اليوم، تكشف حجم التحول الثقافي الجذري خلال هذه العقود الأربعة. المفارقة اليوم تكمن في غياب تلك الصدمة تمامًا، وتجاوزنا مرحلة الاستغراب من وجود الكاميرا. لقد تطبع المشهد مع الانكشاف، حتى بات تصوير غرف النوم، وتوثيق الخلافات، ومشاركة أدق تفاصيل حياة الأطفال، ممارسة اعتيادية نستهلكها يوميًا.
يُذكّرني هذا المشهد بسخرية الكوميديان كيث لويل جنسن حول رواية 1984؛ حين أشار إلى أن جورج أورويل أخطأ التقدير في تفصيل واحد، وهو أننا سنشتري الكاميرات بأنفسنا، وسيكون رعبنا الأكبر ألا يشاهدنا أحد!