الأرشيف المنسي: كيف تصنع التفاصيل صغيرة ثقافتنا السعودية؟
ثقافتنا المحلية لا تتكون فقط فيما نقرأه في الكتب أو نراه على الشاشات، كثير من التفاصيل اليومية التي نمر بها دون أن نلاحظها، هي التي تُشكّل عاداتنا وقيمنا.
أحيانًا وأنت تمشي في سوق شعبي قديم مثل سوق الزل بالرياض، وتسمع ضحكات الأطفال، أو تشم رائحة التمر أو الكبسة المطبوخة في البيوت القديمة، ثم تدرك أن هذه اللحظات الصغيرة تخبرك الكثير عن من نحن، وماذا نحب، وماذا نقدّر.
ما نعتبره “صغير” أو ربما نصفه بالتافه في حياتنا اليومية، هو في الحقيقة جزء من أرشيف حي للثقافة السعودية: الألعاب القديمة التي كنا نلعبها في الحي، والأغاني الشعبية التي تملأ المناسبات، أو حتى طريقة تحية الجيران والمجاورين، كل هذه التفاصيل شكلت هويتنا، حتى لو لم نعي قيمتها حينها.
تفاصيل صغيرة، ثقافة كبيرة
لو نظرنا لأحياء الرياض القديمة مثل البطحاء أو الشميسي، نجد فيها الأزقة ضيقة والمنازل متقاربة، والجيران يعرفون بعضهم منذ عقود، هنا تحية قصيرة مثل “السلام عليكم” أو “صباح الخير” ليست مجرد كلمات، هي رمز للترابط الاجتماعي والانتماء، المشهد اليومي الوقوف لتبادل أطراف الحديث، والسؤال عن صحة أحد الجيران، أو حتى مشاركة أخبار السوق المحلي جميعها شكلت شبكة صغيرة من التواصل والود.
وفي المقاهي الشعبية القديمة، يجلس كبار السن على الطاولات الخشبية، يروون قصص الطفولة حول سباقات الحي أو لعب الأطفال بعد المدرسة، وأحيانًا عن الأزقة التي كانت تتحول لساحة لعب جماعية، نرى الضحك يملأ المكان، والحكايات تنتقل بين الأجيال، موقظة قيم الصبر والتعاون وروح المنافسة النزيهة، بينما الأحداث اليومية البسيطة، مثل زيارات الجيران أو جمعيات الحي، تتحول إلى إرث ثقافي حي يربط الحاضر بالماضي.
العمران في الثقافة السعودية
العمارة نفسها تحكي قصة الثقافة السعودية، المنازل القديمة في أحياء مثل السويدي وكيف كانت قريبة من بعضها البعض، بزوايا وأروقة صغيرة تسمح للأطفال باللعب بحرية، والكبار بالتفاعل بشكل يومي، ما ساعد على ترسيخ روابط اجتماعية قوية، الأزقة الضيقة لم تكن عائقًا، كانت مساحة للتعارف، وتبادل الأخبار، وحتى تنظيم الألعاب والمناسبات الصغيرة، هذا الشكل العمراني صنع ثقافة التفاعل المجتمعي اليومية، التي نراها اليوم في شكل الترابط الاجتماعي والود بين الجيران.
التفاصيل في حياتنا المعاصرة
حتى في المدن الحديثة وأماكن العمل، تظهر انعكاسات هذه الثقافة اليومية: الموظف الذي يرحب بزملائه صباحًا، من يشارك كلمة طيبة أو قصة قصيرة عن يومه، كل ذلك يربط بين الناس ويصنع دفئًا إنسانيًا. التقنيات الحديثة لم تقضِ على هذا الأرشيف، بل أعطته نسخة رقمية: قروبات العائلة، محادثات الواتساب، صور سناب شات، وتغريدات يومية، كلها تسجل الحياة اليومية وتوضح للأجيال القادمة كيف عاش الناس وما شكل هويتهم الاجتماعية
الأرشيف المنسي حاضر دائمًا
الأرشيف المنسي يذكّرنا أن الثقافة ليست فقط ما يدرّس أو يُحتفى به رسميًا، إنها عن كل ما نعيشه يوميًا من تفاصيل صغيرة، والأشياء التي نتجاهلها (ضحكة طفل في الحي، لعبة قديمة في الشارع، وجبة شعبية، أو حتى عادة بسيطة ) كلها تشكل هويتنا الاجتماعية وتوثق قيم المجتمع.
إذا أردنا فهم ثقافتنا، يجب أن ننظر إلى التفاصيل الصغيرة، لأنها تعكس ما نحن عليه فعليًا، وليس فقط ما يراه الآخرون أو ما يُكتب في الكتب، كل عادة، وكل لحظة نعيشها، تكتب جزءًا من تاريخنا، وتصنع ثقافتنا.
الأرشيف المنسي ليس ماضيًا مهملًا، إنه حاضر مستمر يتجدد في كل فعل يومي صغير، وحتى الأشياء التي نعتبرها بسيطة أو عابرة اليوم، بالتأكيد ستصبح مرآة للأجيال القادمة لفهم كيف كانت حياتنا وكيف شكلنا مجتمعنا