العدد الثالث من نشرة الفسحة هل قراراتنا حرة؟ قراءة في حدود الإرادة

06 يناير 2026

الفسحة مساحة صغيرة نشارك فيها لمحات من الثقافة، والحياة الاجتماعية، والأفكار الفلسفية، ونصائح نفسية، بطريقة خفيفة وممتعة، تفتح لك فسحة للتفكير وسط يومك. صباح الخير (المشترك)! هالنشرة هي فسحتك للتأمل وسط الأسبوع، تصلك كل ثلاثاء لتمنح يومك لمسة خفيفة ومنعشة.

نشرة الفسحة

ليلى الحربي

هل قراراتنا حرّة؟ قراءة في حدود الإرادة

قبل أن تقول: «أنا حُرّ»

في الآونة الأخيرة استهلكنا الحديث عن الحرية وكيف للإنسان أن يكون حرًّا في اختياراته، وفي كل مرة نردّد فيها عبارة «أنا حُرّ»، نتعامل مع الحرية وكأنها مساحة مفتوحة لا يحدّها سياج.. غير أنّ الحرية، في حقيقتها لا تُولد فجأة، ولا تتشكّل بصورة عشوائية؛ بل هي مزيجٌ من دوافع داخلية، تجارب ماضية وتأثيرات تحيط بنا دون أن نلحظها..

وإذا عدنا إلى علم النفس نجد أنّ فكرة «الاختيار الحرّ» ليست ثابتة كما نتخيّل..
تُشير دراسة لجامعة Yale (Bargh & Morsella, 2008) إلى أن جزء كبير من قرارات الإنسان يبدأ من محفّزات غير واعية؛ أي إنّ القرار قد ينطلق من داخلك، لكن ليس بالضرورة من وعيك المباشر.

ولا يقف الأمر عند العقل اللاواعي؛ فحتى محيطنا يعيد تشكيل قراراتنا، كما تشير دراسة لجامعة Harvard (Christakis & Fowler, 2018) إلى أن الأفراد يميلون إلى تبنّي أنماط المجتمع بنسبة تتجاوز 50%. لا أحد يختار وحده، مهما حاول.

وفي مثال آخر، تبيّن دراسة لجامعة Duke 2010 أنّ 40% من سلوكنا اليومي هو في الواقع عادات متكررة، لا اختيارات جديدة.

إذن، قبل أن نقول «أنا حُرّ»، ربما يجدر بنا أن نسأل:

هل كان هذا اختياري فعلًا؟ أم هو مسارٌ تشكّل منذ زمن وصرتُ أكرّره لأن الطريق مألوف

حين نفهم الحرية بوصفها سلسلة لا نقطة بداية

 يجعل الحديث عن الحرية مربكًا هو أنها لا تبدأ من نقطة واحدة، بل تتكوّن كسلسلة متتابعة: تبدأ من داخلك، ثم تمرّ بالمجتمع، والقوانين، والتجارب، والضغوط، وحتى مستوى طاقتك في اللحظة نفسها.

خذ مثلًا مفهوم إرهاق القرار (Decision Fatigue) الذي قدّمه Roy Baumeister، ويشير إلى أنّ الإنسان عندما يواجه كثرة الخيارات، يفضّل اتخاذ القرار الأسهل؛ لا لأنّه يريده فعلًا، بل لأن طاقته العقلية على التقييم قد استُنزفت. القرار قرارك، نعم، لكنه يُمارس ضمن مساحة أضيق مما تظن.

والسياق الاجتماعي عامل مؤثر بقدرٍ لا يستهان به. ففي تجربة Stanley Milgram الشهيرة في السبعينات، اتّضح أنّ 70% من الناس مستعدون لتنفيذ ما يخالف قناعاتهم فقط لأن «شخصًا ذا سلطة» طلب ذلك. ليس لأنهم فقدوا مبادئهم، بل لأن الضغط غيّر رؤيتهم للخيارات المتاحة.

الحرية لا تُنتزع دائمًا بالقوة؛ أحيانًا تتضاءل لأننا لم ننتبه لتأثير المكان والأشخاص.

ومن الناحية الأخلاقية، تُشير مجلة Ethics & Behavior إلى أنّ الإنسان يميل إلى التقليل من أثر تصرّفاته على الآخرين ليس بدافع الأنانية، بل لأن النظر من زاوية الذات أسهل بكثير من استحضار نتائج الأفعال على غيرنا. وهنا يظهر الحد الأخلاقي للحرية:

أنت حرّ.. إلى اللحظة التي يبدأ فيها اختيارك بتضييق مساحة أحدٍ آخر!

أما الفيلسوف Isaiah Berlin فقد ميّز بين «الحرية الخارجية» التي تعني غياب المنع الواضح، و«الحرية الداخلية» التي تعني القدرة الحقيقية على اتخاذ قرار صادق غير محكوم بالخوف أو ضغط المجتمع. وقد تكون حرًّا قانونيًا، لكنّك لست حرًّا داخليًا أو اجتماعيًا

أين تنتهي الحرية؟

تنتهي الحرية عند ثلاث محطات واضحة:

  • حين يصبح اختيارك ابنَ الضغط، لا ابنَ القناعة.

  • عندما يبدأ قرارك بتضييق مساحة غيرك.

  • عندما تتوقف عن التفكير وتستسلم للعادات والمسارات الجاهزة

الحرية: مساحة للوعي

عندما نحاول فهم الحرية بوصفها «اختيارًا واعيًا»، نكتشف أن الوعي ليس مجرد معرفة سطحية بما نريده، بل هو عملية معقّدة تتداخل فيها الذاكرة، والانتباه، والإدراك، والقدرة على التأمل. كلما ارتفع مستوى وعيك، ازدادت قدرتك على رؤية الدوافع التي تتحرك في الخلفية، وفهم الأسباب التي تقودك إلى اتخاذ قرار دون آخر.

الإنسان قد يظن أنه يختار بملء إرادته، لكنه في الحقيقة قد يكون متأثر بتجربة قديمة، أو بفكرة تلقّاها دون فحص، أو بعادة رسخت في سلوكه إلى درجة جعلته يتعامل معها وكأنها «طبيعته» وهذا ما تشير إليه دراسات علم الأعصاب التي تقول إن 95% من سلوك الإنسان يصدر من عمليات تلقائية تتم خارج نطاق الوعي، فقد يظن شخص أنه «اختار» طريقًا معينًا في حياته المهنية، لكنه لو عاد خطوة إلى الخلف لاكتشف أن خياره

 نتج من ثلاثة عوامل:

  • بيئة عائلية رسّخت قيمة معينة
  • خوف قديم من الفشل جعل الخيارات الأكثر أمانًا تبدو أكثر جاذبية 
  • ونمط اجتماعي متوقّع دفعه نحو مجال يحظى بقبول أكبر.

هنا، القرار قراره، لكن مساحته ضاقت من دون أن يشعر، وهذا ينطبق على تفاصيل أصغر أيضًا:

كاختياراتنا الشرائية، وتفضيلنا لعلاقات معينة، حتى آراؤنا قد تتشكل بدافع التكرار والاحتكاك لا بدافع القناعة.

كما توضح أبحاث behavioral economics أن الإنسان لا يتخذ قراراته دائمًا على أساس «ما الأفضل له»، بل على أساس ما هو أسهل ذهنيًا، أو ما ينسجم مع بيئته، أو ما يقلل من القلق اللحظي، أي إن الالتفاف حول الألم، أو البحث عن الطمأنينة، أو تجنّب المجهول، كلها قد تزيحنا عن «الاختيار الحر» من حيث لا ندري.

ولهذا، تصبح الحرية مساحة من الوعي أكثر من كونها مساحة من الإمكان، يمكن أن تملك عشرين خيارًا، ولا تكون حرًّا بينها إلا إذا فهمت لماذا تميل لأحدها دون الآخر، ويمكن أن تحيا ضمن حدودٍ ضيقة، لكنك تصبح أكثر حرية حين تضيء دوافعك، وتفكك خوفك، وتفهم قوتك وحدودك

الوعي لا يوسّع العالم الخارجي، لكنه يوسّع مساحتك داخله، وكلما اتسعت هذه المساحة؟ أصبحت خياراتك أقرب للصحة، وأقرب لك.

الحرية؟ أن نعرف لماذا نسير..

الحرية ليست معركة مع العالم، ولا هي إعلان استقلال عن الناس، إنها محاولة صادقة لعيش حياتك وأنت تعرف من أين تأتي قراراتك، وما الذي يحركك، وأين يقف خوفك وكيف يتشكل تأثير الآخرين عليك.

هي توازن بين الداخل والخارج، بين ما تختاره وما يُختار نيابةً عنك، بين رغبتك وذاكرتك، وبين ما تتصوره وما يحدث فعلًا.

وحين نبدأ برؤية هذه الطبقات، نكتشف أن الحرية ليست امتلاك طريق بلا حدود، إنها القدرة على أن نسير في الطريق ونحن نعرف لماذا نمشي فيه، وربما هنا فقط؟ تصبح الحرية قابلة للصدق، وقابلة للحياة.

مقالات مختلفة

العدد الأول من نشرة الفسحة الأرشيف المنسي: كيف لتفاصيل صغيرة أن تصنع ثقافتنا السعودية

06 يناير 2026

ليلى الحربي

نشرة الفسحة

العدد الثاني من نشرة الفسحة اللغة كخريطة: الكلمات تكشفنا أكثر مما نتخيل

06 يناير 2026

ليلى الحربي

نشرة الفسحة

00:00/00:00